ابن عجيبة
591
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
دُحُوراً ؛ مفعول له ، أي : ويقذفون للدحور ، وهو الطرد ، أو : مدحورين ، على الحال ، أو : لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى ، فيكون مصدرا له ، فكأنه قيل : ويقذفون قذفا ، وَلَهُمْ عَذابٌ آخر واصِبٌ ؛ دائم ، أو : شديد ، وهو عذاب الآخرة ، أو : عذاب الدنيا ؛ لأنه دائم الوجوب ؛ لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما ، إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ ، « من » : بدل من ضمير « يسمعون » ، أي : لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة ، أي : اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة ، فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ أي : نجم مضىء يثقبه ، أو يحرقه ، أو يخبله ، ومنه تكون الغيلان . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين ، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم ، في طلب الحضور ، التالين لذكر ربهم لرفع الستور ، إنه منفرد في ألوهيته ، متوحد في ربوبيته ؛ إذ هو ربّ كل شئ ، ربّ سماوات الأرواح ، وربّ أرض النفوس والأشباح ، وربّ مشارق أنوار العرفان ، وهي قلوب أهل العيان ، ولم يذكر المغارب ؛ لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب . قوله تعالى : إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا . . إلخ ، قال القشيري : زيّن السماء بالنجوم ، وزيّن قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال . ه . وقوله تعالى : وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ، قال القشيري : كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد ، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم ، إلا من خطف الخطفة ، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقى شيئا من وساوسه ؛ تذكّروا ، فإذا هم مبصرون . ه . وقال في لطائف المنن : إن اللّه تعالى إذ تولى وليّا صان قلبه من الأغيار ، وحرسه بدوام الأنوار ، حتى لقد قال بعض العارفين : إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب ؛ كي لا يسترق السمع منها ، فقلب المؤمن أولى بذلك ، لقول اللّه سبحانه ، فيما يحكيه عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لم تسعني أرضى ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن » . ه . والمراد : المؤمن الكامل ، الذي تولى اللّه حفظه ، وهو الولي العارف . ثم ردّ على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة ، فقال : فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ . . .